حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
196
شاهنامه ( الشاهنامه )
تلك الأمواج المتلاطمة حتى خرجوا من ذلك الجانب سالمين . فاغتسل كيخسرو ، وسجده شكر اللّه تعالى على سلامته . فقضى الملاحون العجب مما رأوا منهم ، وجعلوا يتفاوضون الحديث فيه فيما بينهم . فبينما هم كذلك إذ وصل أفراسياب فزعق على صاحب الرصد ، وقال : كيف كان عبور هذا الجنىّ على هذا الماء ؟ فقال : أيها الملك إن أبى كان صاحب الباج على هذا الماء ، ولما مات خلفته أنا . فلم نشاهد أحدا خاض هذا الماء فقطعه إلى ذلك الجانب . لا سيما في فصل الربيع عند تزايد الماء ، واشتداد الهواء . وقد عبر هؤلاء الثلاثة خائضين . وكأن الهواء حملهم ، وإلى ذلك الجانب أوصلهم ، فاستحضر السفن والمراكب ، وعزم على العبور . فمنعه هومان ، وقال : لا تعجل ، واعلم أنك إن عبرت بهذا العسكر إلى أرض إيران فإنما تلقى نفسك في أفواه الثعابين ، ولهوات الأسود . والدنيا من هاهنا إلى أقصى المشرق لك وتحت حكمك . فاشتغل بحفظها ، ولا تشغل سرك بسبب أهل إيران . فإنه لا ضير عليك منهم . فرجع عند ذلك خائبا خاسرا يعض على يده ، ويكاد ينفطر من غيظه . ذكر مقدم كيخسرو إلى إيران ، واحتفال أهلها له واستبشارهم به وما يتصل به بذلك ذهاب كيخسرو إلى أصفهان قال : ولما وصل كيخسرو إلى وجيو إلى خراسان طيّر جيو الرسل إلى الأطراف بقدوم كيخسرو ، فاختار فارسا وأمره أن يسير إلى أصبهان ، ويبشر أباه جوذرز بن كشواذ بطلوع صبح ما ارتجاه ، وحصول مقصوده ومناه . فلما أتاه الرسول ، وناوله الكتاب ، وأدّى اليه الرسالة وثب قائما ، ووضعه على رأسه ، ونثر عليه الجواهر ، وطير الكتب إلى كيكاوس يخبره بذلك . وانثالت الإصبهبذية والأمراء إلى أصبهان من كل صوب لتلقى كيخسرو واستقباله . فأمر جوذرز بتزيين قصره الكبير ، وفرشه الديباج والحرير . ووضع فيه تختا من الذهب مرصعا بالجواهر . وأعدّ لكيخسرو كل ما يحتاج اليه من تاج وتخت وسوار وطوق ، إلى غير ذلك من الخيل والبغال ونحوها . وزينوا البلد وعقدوا الآذينات في جميع نواحيه . وخرجوا لاستقباله ، وأبعدوا حتى لقوه على ثمانين فرسخا . فلما وقعت عيونهم عليه ترجلوا وسجدوا له . ولما وقعت عين جوذرز عليه تنفس الصعداء وتبادرت عبراته ، ثم بعد إقامة مراسم الخدمة عزاه عن أبيه سياوخش ، ودعا له بطول البقاء ودوام المجد والسناء . ثم عطف على ولده جيو ، وقبل ما بين عينيه ، وشكر سعيه . وساروا في خدمة كيخسرو حتى دخل أصبهان ، ونزل في القصر الذي أعدّ له . وأقام أسبوعا ثم خرج مع جوذرز وغيره من الأكابر والأمراء ممن كان هناك ، وتوجهوا نحو إصطخر . فلما قربوا منها تلقاهم الإصبَهبذية والأكابر بالخيول المجللة بالديباج